عماد الدين خليل
161
دراسة في السيرة
عشرة سنة من الجهد والعذاب للضياع . . . فرأى أن يتخذ من مكان قيادته مركزا يتجمع المسلمون فيه ثانية كي لا يتبعثروا وينفرد المشركون بهم ويحيلوا نصرهم إلى عملية إبادة شاملة ، فاتجه صوب الشعب يصحبه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وجماعة من المسلمين بلغوا ثلاثين رجلا ، بينما كان الآخرون قد تشتتوا في أطراف الميدان ، وعاد بعضهم إلى المدينة . ورأت طائفة أخرى أن يبعثوا إلى عبد اللّه بن أبي كي يطلب الأمان لهم من أبي سفيان وقالوا : يا قوم ، إن محمدا قد قتل ، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ، فاعترض أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمد قد قتل ، فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا ما قاتل عليه محمد ، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل . وراح الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقاتل ، حتى صارت قوسه شظايا ، ويقاتل معه أصحابه المحيطون به ، قتالا بطوليا مريرا ، تساقط منهم خلاله الكثير وهم ينافحون عن نبيهم ودعوتهم . وقف ستة رجال من الأنصار ، يدافعون عنه صلى اللّه عليه وسلم ويقتلون دونه وكان آخرهم رجل يسمى زياد بن السكن ، أصابه جرح مميت فنادى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ادنوه مني فأدنوه منه فوسده قدمه وبه أربعة عشر جرحا ، فمات هناك . ورمى سعد ابن أبي وقاص ، دون الرسول صلى اللّه عليه وسلم والرسول يناوله النبل ويقول : فداك أبي وأمي . وترّس أبو دجانة بنفسه دون الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل ، وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعتزمون قتله ، وانهالت الحجارة عليه . . . فأصيبت رباعيته ، وجرح وجهه وكلمات شفته ، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم يمسح الدم ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ . . . وما لبث أن أدركه أبي ابن خلف وهو يقول : أي محمد لا نجوت إن نجوت ! فقال القوم : يا رسول اللّه أيعطف عليه رجل منها ؟ فقال : دعوه ، وتناول حربته واستقبل بها غريمه وقذفه بها فاستقرت في عنقه فسقط عن فرسه يتلوى ومات في عودته إلى مكة « 1 » ، وأقبل الحباب بن المنذر يصيح يا آل سلمى فأقبلوا كتلة واحدة وهم يهتفون لبيك داعي اللّه لبيك ، وترتفع حناجرهم بشعار
--> ( 1 ) ابن هشام ص 181 - 184 الطبري : تاريخ 2 / 514 - 519 ابن سعد 2 / 1 / 29 الواقدي 1 / 239 - 262 البلاذري : أنساب 1 / 318 - 321 .